في زمن الحرب.. هل تضيق مساحات التعبير والحريات في إيران؟
في زمن الحرب.. هل تضيق مساحات التعبير والحريات في إيران؟
بين وجعين وخوفين، يعيش الإيرانيون على وقع حرب لا تُسمع فقط في هدير السماء، بل في ارتجاف البيوت أيضاً، فبين رعود التصعيد العسكري وأزيز الطلقات القادمة من الخارج، يتردد صدى المعارك في الداخل، متحولاً إلى حملات اعتقال وتشديد أمني ومساحات حرية تضيق يوماً بعد يوم، هكذا يجد الإيراني نفسه محاصراً بين نار الجبهة وحدة القبضة، حيث يخشى القذيفة كما يخشى البوح بالكلمة.
ومنذ تصاعد المواجهات الإقليمية التي تورطت فيها إيران، شهد الوضع الداخلي الإيراني تصعيداً أمنياً أكثر حدة، فعادة ما تستخدم طهران بيئة الأزمة الإقليمية لتبرير تشديد القيود على الصحافة، وتضييق عمل المدافعين عن حقوق الإنسان، وملاحقة المنتقدين داخل المجتمع، ففي وقت تتعالى فيه أصوات الصواريخ والردود العسكرية، تزداد فيه همسات الخوف بين الصحفيين والناشطين.
ووفق تقارير لمنظمات حقوقية دولية، فإن عدد المعتقلين لأسباب تتعلق بحرية التعبير في إيران قد ارتفع بشكل ملحوظ خلال الأشهر الماضية، إذ سجلت تقارير منظمة العفو الدولية ارتفاعاً في حالات الاعتقال التعسفي للصحفيين والمدونين، كما وثقت منظمات معنية بالحريات الرقمية مراقبة وحجب منصات نشطاء مستقلين على الإنترنت، ما يعكس نمطاً متصاعداً من التضييق على الفضاء العام.
وفي الوقت ذاته باتت المؤسسات الإعلامية المستقلة، حتى تلك التي كانت تعمل بهدوء نسبي قبل سنوات، تواجه تهديداً مباشراً بالإغلاق أو التقييد، مع تكثيف الرقابة على المحتوى الإخباري والتحقيقات الميدانية.
ضحايا الحرب من الداخل
وبينما تُسجل المعارك في المنطقة خسائر بشرية ومادية، تعيش آلاف الأسر في إيران مكتومة الصوت بين فكي الحرب والقمع، إذ تبين التقديرات الحقوقية أن التصعيد العسكري سيؤدي إلى انخفاض مؤشرات حريات التعبير والصحافة والتجمع، حيث تصبح الحياة اليومية للمواطن الإيراني في هذا المناخ اختباراً صعباً بين قيود متنامية وأفق ضيق لحوار مدني.
وتعتمد السلطات في طهران على ما تسميه بـ"ضرورات الأمن القومي" لتبرير إجراءاتها، فالقوانين الموسعة لمكافحة الإرهاب تُستخدم في كثير من الأحيان لملاحقة أصوات السلم واحتواء الانتقادات، وقد أصبحت هذه القوانين أداة قانونية لتقييد النشطاء، بدعوى أنهم "يشكلون تهديداً للأمن"، في حين أن كثيراً منهم لم يتجاوزوا حدود التعبير السلمي.
ويقول ناشطون حقوقيون إن الحرب الخارجية صارت فرصة لفرض رقابة أوسع داخل البلاد، ولفرض حالة من الطوارئ الدائمة تجعل من حرية التعبير خارج السياق المسموح به خطراً يُعاقب عليه، ولا سيما أن الشعوب في قلب أي صراع هم أكثر من يدفع الثمن.
وبينما تستمر الحرب في الخارج، تتصاعد حرب غير مرئية داخل إيران بين السلطات الأمنية والأصوات الداعية لإطلاق الحريات، لكنها حرب بلا دبابات ولا صواريخ، بل تُخاض بالكلمات والمنشورات، بالملاحقات والاستدعاءات، بقرارات الحجب والمنع، حيث يصبح التعبير تهمة، والاحتجاج مخاطرة، والصمت وسيلة وحيدة للنجاة.
الحريات أولى الضحايا
وبقوله: "في أزمنة الحروب، غالبًا ما تُصبح الحريات أول الضحايا"، توقع المحلل السياسي المتخصص في الشأن الإيراني، وجدان عفراوي، فرض القيود على الصحافة، ومحاصرة أصوات النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتضييق الخناق على منظمات المجتمع المدني باسم الأمن القومي ووحدة الجبهة الداخلية.
وأوضح عفراوي في تصريح لـ"جسور بوست" أن هذا ما جرى في سنوات الثورة الإيرانية الأولى، ثم خلال الحرب العراقية–الإيرانية، حين استُخدمت أجواء المواجهة العسكرية لتصفية معارضين وتشديد القبضة الأمنية، خصوصاً في مناطق القوميات غير الفارسية مثل الأهواز وكردستان وتركمن صحراء وبلوشستان، حيث تداخل الهاجس الأمني مع مطالب الهوية والحقوق.
وأضاف: "لكن اللحظة الراهنة تبدو أكثر تعقيداً، فالنظام يواجه ارتباكاً داخلياً غير مسبوق، وتحديات في تماسك القيادة وصناعة القرار، وفي مثل هذه الأجواء، لا يكون القمع الواسع خياراً سهلاً أو مضمون النتائج؛ لأن الإفراط في التشدد قد يُفاقم الغضب الشعبي بدل احتوائه، وقد بدا ذلك واضحاً في ردود فعل الشارع عقب الضربات الأولى التي استهدفت مراكز حساسة، حيث خرجت في بعض المدن مظاهر تعبير علني عن الغضب أو حتى الابتهاج، في مؤشر على فجوة آخذة في الاتساع بين قطاعات من المجتمع والسلطة".
وحول التوقعات بدعم المجتمع الدولي لحقوق الشعب الإيراني في ظل الظروف الراهنة، قال عفراوي: "إذا كان المقصود بالمجتمع الدولي منظمة الأمم المتحدة، فإن هذه المؤسسة تواجه اليوم قيوداً حقيقية على فاعليتها التنفيذية، في ظل انقسامات حادة داخل مجلس الأمن بين معسكرات متعارضة، ما يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة".
وتابع: "من هنا يبرز دور الدول ذات التأثير المباشر، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي يمكنها -إن أرادت- دعم تطلعات الإيرانيين عبر تشجيع توحيد أطياف المعارضة في الخارج، من الملكيين إلى الجمهوريين، مروراً بمنظمة مجاهدي خلق وممثلي القوميات غير الفارسية؛ لأن جمع هذه القوى حول رؤية مشتركة، وتعزيز التنسيق بينها وبين الفاعلين في الداخل، قد يشكل أحد المسارات العملية لدعم المجتمع الإيراني في سعيه نحو مساحة أوسع من الحقوق والحريات".
دعوة لطرح "خارطة طريق"
بدوره قال مدير مركز الدراسات العربية الإيرانية في لندن، الدكتور علي نوري زادة، في تصريح لـ"جسور بوست"، إن المشهد الإيراني عقب مقتل علي خامنئي بات أقرب إلى "نظام بلا رأس"، في ظل غياب مرجعية حاسمة تضبط إيقاع السلطة، وتزايد مؤشرات التشرذم داخل مؤسسات الدولة.
وأوضح زادة أن صراعات النفوذ تتصاعد بين أركان الحكم، منهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، في وقت تعثّر فيه انعقاد "اللجنة الثلاثية" المفترض أن تدير المرحلة الانتقالية، بسبب خلافات حول تمثيلها ومحاولات فرض أسماء بعينها، ما يعكس حالة جمود سياسي غير مسبوقة.
ويرى زادة أن هذا الارتباك ينعكس مباشرة على الشارع الإيراني الذي يعيش -بحسب وصفه- حالة ترقب ثقيل، منتظراً لحظة قد تفتح نافذة للتغيير، ويعتقد أن قطاعات واسعة من الإيرانيين قد تتحرك إذا سنحت الفرصة، مستندة إلى شعور متراكم بالضيق من سنوات القمع.
كما شدد على أن غالبية الشعب ترفض سياسات التصعيد مع دول الجوار، معبرة عن رغبة في علاقات طبيعية وأخوية مع دول المنطقة، من الخليج إلى المشرق، تقوم على الاحترام المتبادل وعدم استعداء الجيران.
وفيما يتعلق بملف الحريات، توقع زادة أن تشهد المرحلة القريبة مزيداً من التشدد الأمني، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن أجهزة القمع فقدت بغياب المرشد جزءاً من الغطاء الديني والسياسي الذي كانت تستند إليه، ما أوجد حالة تردد داخل بعض المؤسسات.
ودعا زادة إلى طرح ما سماه "خارطة طريق"، بحيث تقوم على السلم الأهلي والمساواة بين مكونات المجتمع والحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية والقبول بدولة مدنية تفصل بين الدين والحكم.
وفي هذا السياق، تحدث عن أرقام وصفها بـ"المفزعة" بشأن الضحايا والمعتقلين، معتبراً أن حجم المعاناة الإنسانية يتجاوز ما يُعلن رسمياً، في ظل خوف جرحى كثر من تلقي العلاج خشية الملاحقة، ولا سيما أن القوى الدولية تتحرك وفق مصالحها، لكنها -في هذه اللحظة- قد تجد مصالحها متقاطعة مع تطلعات قطاعات من الإيرانيين الساعين إلى إنهاء مرحلة سياسية يرون أنها أثقلت كاهل البلاد.










